عبد الوهاب الشعراني

298

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكتب رضي اللّه عنه إلى بعض مريديه بعد السلام وإنني أحب الولد ، وباطني خلي من الحق والحسد ولا بباطني شظا ولا حريق . وكان رضي اللّه عنه يقول : عليك بالعمل وإياك وشقشقة اللسان بالكلام في الطريق دون التخلق بأخلاق أهلها ، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم يجوع حتى شد الحجر على بطنه وقام حتى تورمت قدماه ثم تبعه أكابر الصحابة رضي اللّه عنه على ذلك ، فكان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه إذا تنهد يشم لكبده رائحة الكبد المشوي وأنفق ماله في سبيل اللّه كله ، وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه شديد العمل والكد حتى رقع دلقه بالجلود ولف رأسه بقطعة خيش وكان عثمان بن عفان رضي اللّه عنه يختم القرآن قائما كل ليلة على قدمه ، وكان رضي اللّه عنه من زهاد الصحابة ومجاهديهم حتى فتح أكثر بلاد الإسلام هؤلاء خواص الصحابة رضي اللّه عنهم مع قربهم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذا كان عملهم ، هذا كان اجتهادهم وجوعهم فأحكموا الحقيقة والشريعة ولا تفرطوا إن أردتم أن تكونوا يقتدى بكم ، ما سميت الحقيقة حقيقة إلا لكونها تحقق الأمور بالأعمال وتنتج الحقائق من بحر الشريعة . وكان رضي اللّه عنه يقول : ما دام لسانك يذوق الحرام فلا تطمع أن تذوق شيئا من الحكم والمعارف . وكان رضي اللّه عنه يقول : للباصر في العين بصر وللقلب لسان يدق عن الإدراك . وكان رضي اللّه عنه يقول : أحببه يحبك أهل الأرضين والسماء وأطعه يطع لك الجن والإنس ويجف لك البحر والماء ويطع لك الهواء . وكان يقول : يا ولدي عليك بالتخلق بأخلاق الأولياء لتنال السعادة وأما إذا أخذت ورقة الإجازة وصار كل من نازعك تقول هذه إجازتي بالمشيخة دون التخلق فإن ذلك لا شيء إنما هو حفظ نفس ، لكن اقرأ الإجازة وأعمل بما فيها من الوصايا وهناك تحصل على الفائدة ويحصل لك الاصطفاء وهذه طريق مدارج الأولياء ، قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل إلى آخر الدنيا . وكان رضي اللّه عنه يقول : إذا اشتغل المريد بالفصاحة والبلاغة فقد تودع منه في الطريق وما اشتغل أحد بذلك إلا وقطع به وأما حكايات الصالحين وصفاتهم فمطالعتها للمريد جند من أجناد اللّه تعالى ما لم يقنع بها في الطريق . وكان يقول : العلم كله مجموع في حرفين أن يعرف العبودية ويعبده فمن فعل